السيد الطباطبائي

60

تفسير الميزان

بالسلام الذي فيه إحسان وإعطاء أمن ، ووعده أن يستغفر له ربه وأن يعتزلهم وما يدعون من دون الله كما أمره أن يهجره مليا . أما السلام فهو من دأب الكرام قابل به جهالة أبيه إذ هدده بالرجم وطرده لكلمة حق قالها ، قال تعالى وإذا مروا باللغو مروا كراما " الفرقان : 72 ، وقال : " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " الفرقان : 63 ، وأما ما قيل : إنه كان سلام توديع وتحية مفارقة وهجرة امتثالا لقوله : " واهجرني مليا " ففيه أنه اعتزله وقومه بعد مدة غير قصيرة . وأما استغفاره لأبيه وهو مشرك فظاهر قوله : " يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا " أنه عليه السلام لم يكن وقتئذ قاطعا بكونه من أولياء الشيطان أي مطبوعا على قلبه بالشرك جاحدا معاندا للحق عدوا لله سبحانه ولو كان قاطعا لم يعبر بمثل قوله : " إني أخاف " بل كان يحتمل أن يكون جاهلا مستضعفا لو ظهر له الحق اتبعه ، ومن الممكن أن تشمل الرحمة الإلهية لأمثال هؤلاء قال تعالى : " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا " النساء : 99 ، فاستعطفه عليه السلام بوعد الاستغفار ولم يحتم له المغفرة بل أظهر الرجاء بدليل قوله : " إنه كان بي حفيا " وقوله تعالى : " إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن ؟ ؟ لك وما أملك لك من الله من شئ " الممتحنة : 4 . ويؤيد ما ذكر قوله تعالى : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرا منه إن إبراهيم لاواه حليم " التوبة : 114 ، فتبريه بعد تبين عداوته دليل على أنه كان قبل ذلك عند الموعدة يرجو أن يكون غير عدو لله مع كونه مشركا ، وليس ذلك إلا الجاهل غير المعاند . ويؤيد هذا النظر قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة إلى - أن قال - لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم